ابن عجيبة

45

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والعصر والعشاءين . وإنما وحّد الغدو ؛ لأن صلاته صلاة واحدة ، وفي الآصال صلوات ، وهو جمع أصيل ، وفاعل « يسبّح » : رجال . ومن قرأ بفتح الباء « 1 » ، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة ، أعنى : ( له فيها بالغدو ) . و « رجال » : مرفوع بمحذوف ، دل عليه يُسَبِّحُ أي : يسبحه رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ : لا تشغلهم تِجارَةً في السفر ، وَلا بَيْعٌ في الحضر ، عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ باللسان والقلب ، وقيل : التجارة : الشراء ، أي : لا يشغلهم شراء ولا بيع عن ذكر اللّه ، والجملة : صفة لرجال ، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة ، مفيدة لكمال تبتّلهم إلى اللّه تعالى ، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم . وتخصيص التّجارة بالذكر ؛ لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها ، أي : لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة ، ولا فرد من أفراد البياعات ، وإن كان في غاية الربح . وإفراده بالذكر ، مع اندراجه تحت التجارة ؛ لأنه ألهى ؛ لأن ربحه متيقن ناجز في الغالب ، وما عداه متوقع في ثاني الحال . وَ لا يشغلهم ذلك أيضا عن إِقامِ الصَّلاةِ أي : إقامتها لمواقيتها من غير تأخير ، وأصله : وإقامة ، فأسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال ، وعوض عنها الإضافة ، فأقيمت الإضافة مقام التاء ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي : وعن إيتاء الزكاة ، وذكرها ، وإن لم يكن مما تفعل في البيوت ، لكونها قرينتها لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع ، مع ما فيه من التنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد . والمعنى : لا تجارة لهم حتى تلهيهم ، أو يبيعون ويشترون ويذكرون اللّه مع ذلك ، لا يشغلهم عن ذكر اللّه شئ ، وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها مسرعين . يَخافُونَ يَوْماً أي : يوم القيامة تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ أي : تضطرب وتتغير من الهول والفزع ، وتبلغ إلى الحناجر ، وَ تتقلب الْأَبْصارُ بالشخوص أو الزرقة . أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران ، والأبصار إلى العيان بعد النكران ، كقوله : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 2 » . يفعلون ذلك الاستغراق في التسبيح والذكر ، مع الخوف ؛ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي : أحسن جزاء أعمالهم ، حسبما وعدهم بمقابلة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف ، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي : يتفضل عليهم بأشياء وعدهم بها ، لم تخطر على بال ؛ كالنظر إلى وجهه ، وزيادة كشف ذاته ، فهو كقوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ « 3 » . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي : يثيب من يشاء ثوابا لا يدخل تحت حساب الخلق ، و « من » : واقعة على من ذكرت أوصافهم الجميلة ، كأنه قيل : واللّه يرزقهم بغير حساب ، ووضعه موضع

--> ( 1 ) وبها قراءة ابن عامر وأبو بكر . ( 2 ) من الآية 22 من سورة ق . ( 3 ) من الآية 26 من سورة يونس .